السيد عبد الله الجزائري

112

التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية

إلى العكس ومما يؤكد هذا الحسبان ما رواه القوم عن النبي صلى اللَّه عليه وآله إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوه وإذا سمعتم برجل زال عن خلقه فلا تصدقوه فإنه سيعود إلى ما جبل عليه . وعنه صلى اللَّه عليه وآله الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا . وبإزاء هذا التفريط إفراط من ذهب إلى أنه لا شيء من الأخلاق بطبيعي وان الإنسان مجبول على فطرة ساذجة عن جميع الأخلاق والملكات بالفعل صالحه لجميعها بالقوة ثم إنه يختار ما يختار منها بيسر أو بعسر على وفق اقتضاء مزاجه الخاص فهي بأسرها أعراض صالحه للتغيير قابلة للإزالة واستدلوا أيضا بوجهين ( ا ) انه لولا ذلك لبطلت المواعظ والوصايا والتأديبات وغيرها ولما قال النبي صلى اللَّه عليه وآله حسنوا أخلاقكم . ( ب ) ما يشاهد من تبدل الأخلاق في حق الأشرار الملازمين لمجالسة الأخيار والأحداث الذين يهتم بتأديبهم وتهذيبهم سيما المنقولين قبل ظهور قوة التمييز فيهم من بلدهم إلى بلد آخر وان كانوا متفاوتين في سرعة القبول وبطئه وكيف ينكر هذا في حق الأدمي وهو في الحيوانات العجم مما لا يكاد ينكر فان الحيوان الوحشي ربما يؤدب فيصير إنسيا والمحيط خيرا بما أشرنا إليه غير مرة من مبادي الأخلاق ومعنى تهذيبها يتسهل عليه الوقوف على حقيقة الحق في الباب وتمييز القشر من اللباب ولنستانف البيان مختصرا فاعلم أن الأخلاق على تباينها وتقابلها تنقسم بحسب المبدأ إلى قسمين طبيعية حاصلة بمقتضى الطبع من دون تعمل واختيار وعادية حاصله بمقتضى العادات العارضة من تكرار ممارسة الحركات البدنية أو النفسية اما الأخلاق العادية فلا ريب في إمكان تغييرها لأنها مسببة عن العادات وهي أعراض قابله للزوال وزوال السبب ملزوم لزوال المسبب وان كانت إفرادها متفاوتة في عسر التغيير ويسره بسبب كثرة الرسوخ في النفس وقلته ففائدة الاشتغال بتحسين الأخلاق فيها ظاهرة واما الأخلاق الطبيعية فتنقسم إلى نوعيه وهي ما يشترك فيه أبناء النوع في الجملة وشخصيته هي ما يختص بكل فرد بحسب اقتضاء مزاجه الخاص أما النوعية كالشهوة والغضب فلا تمنع تعذر إزالتها لكن ليس المراد من تهذيبها إزالتها بالكلية كيف والخمود والجبن اللذان هما النقصان فيهما معدودان من الرذائل ولولاهما لاختل النظام وانقطع النوع بل المراد تطويعهما لحكم العقل والشرع وجعلهما منقادين تحت أمرها وذلك ليس بممتنع واما الشخصية فالمعلوم باستقراء أحوال الناس انهم بحسب الجبلة الأولى فيها على أقسام قسم يوجد فيهم أخلاق